



الشاعرة الإماراتية فواغي صقر القاسمي
أقطف فرحتي من المهمشين
أجرى الحوار : ابراهيم قهوايجي
هي صوت شعري إماراتي أو هي امرأة تتوهج شعرا ، و ترنو في متاهات التشكيل المسرحي … تسكن الحرف و تلتحف المعنى ، و تتشكل ذاتها من مشاعرها بمداد نبضها .. وهي أيضا من أصوات الداخل تنأى عن الأدلجة الفجة لتعيد الدفة إلى تاريخ البدء و التكوين …
كان لنا معها هذا الحوار المستقطع من حياتها المليئة بالشعر و أشياء أخرى..
من هي الشاعرة الشيخة فواغي بنت صقر القاسمي دون مساحيق السلطة الكاريزمية؟
- سائحة في دروب المعرفة و التشبث بمفاتيح الإلهام ، قريبة من نبض الشارع ، بعيدة عن عجرفة فروق الطبقات و فراغ الحياة الساذجة .. أقطف فرحتي من أولئك المهمشين الذين أتلمّس دفء أرواحهم و تعب حياتهم و صفاء أنفسهم ، هناك حيث تتولد أناي من جديد منصهرة بنبضهم .
هي تلك المنزوعة من شرنقة الشجن ، و الشاردة في فضاءات الريح .. لها بكل مرفأ حميم.. قصيدة و معبد .. تمردت على أغلال الإنغلاق و التقييد وسذاجة المظهر و المكانة ، لترحل حيث تجد ذاتها بين سراديب الألم والحزن و البساطة الماتعة ، بين أولئك الذين تجدها بينهم باختيارها وتستشعر القرب في نظراتهم الحانية ، و ثمة بوارق تلتمع في حنايا ذاتها حين يشاغلها الوجد بانهماراته العذبة ، زوجة ولي عهد إمارة رأس الخيمة الشيخ خالد بن صقر القاسمي و أم لستة من الأبناء .
هلاّ حدثتينا عن طقس الكتابة لديك؟
حين أقترف الكتابة ، هكذا أسميها ، لعلتي المرتبطة بما أظلل به صفاء الصفحة البيضاء من زخات تكون قد ارتكبت فعل العصف بذاتي ، فإني بذاك أكون قد توشحت برداء غياب يأخذني في غيبوبة أستفيق بعدها على تلك الخربشات التي تركتها رحلة اللاوعي . و للقصيدة حكاية لا تماثل المسرحية و لا تشترك بها مع المقالة فقد اتخذ كل منها مكانا قصيا في دهاليز الذات الشائكة حيث لا تَرى و لا تُرى فالقصيدة أمر إحضاري في حينه يأتي إلي من حيث و أين و متى و كيف ، لا يعير اهتماما لظرف زمان أو مكان .. وحينها فقط تتهاوى قدرة المقاومة و لا يسعني سوى تلبية نداء يأخذني في ملكوت الشرود ليعيدني بعد فترة لملامسة واقعي الذي غادرني في استجابة ذلك الأمر.
قد أكون أهمّ بالخروج في ساعة معينة فيستوقفني ذلك النداء لينهمر صخبا من عاطفة لا تحتكم لتجسيد بل أنها صورا تلتقطها مجسات خاصة أثناء رحلة الروح في سماوات التخيل ، هكذا فقط تكون .. و حين أستعيد وعيي أحاول فهم ما تركته تلك اللحظة .
أما المسرحية فيبدو الأمر مختلفا شيئا ما ، أدخل في حالة من التحول الفكري و العاطفي و يتملكني الشعور الزمكاني الذي يسلخني من واقعي الحاضر فأغلق باب صومعتي لمدة قد تصل لأسبوعين بعيدا عن جميع مؤثرات الواقع … أتناول فيها ما قلّ من الطعام و تلك ميزة أحمده عليها لأنني حينها أخسر بعضا من الوزن الزائد . في البيت يفتقدني الجميع خلال هذه الفترة و أكاد لا أراهم إلا مصادفة غير أنني أحرص على أن ألتقي بمخرج المسرحية كل يوم في نهاية النهار حتى لا أشطح كثيرا في تصوراتي فأخرج عن سياق الحدث إلى أبواب تفتح فيصعب إغلاقها … هذه الحالة من الشفافية دائما ما تكون مقترنة بفعل الشعر الذي يكتبني حينها لتخرج المسرحية الشعرية ، و قليلا ما يحيد بي الظرف بعيدا عن طريق الشعر إلى السرد .
الصمت هو الرفيق الموحش الوقور الملازم لحالة الكتابة، حتى فيروز يكاد صوتها يختفي من الذاكرة حتى أعود لي من جديد .
اعتدت على الشاشة أبثها نجواي فتخليت عن الورقة و القلم ، و أحيانا يحدث أن أكون في حوار افتراضي على النت مع أحد الأصدقاء أو الصديقات ممن تجمعني بهم تلك الهواية فتكون كلمة خاطفة أو عبارة عابرة مفتاح قصيدة تولد في حينها ، و أحيانا تفعل أغنية حميمة ما لا يستطيعه فعله واقع أو خيال ، و قد يكون مشهدا سينمائيا يحرث كوامن عالقة في عمق الذات لتتجلى بعدها لحظة الميلاد لقصيدة مختنقة تنتظر الخلاص و الحرية .
يقول السهروردي : إن لحظات الكشف تأتي كبروق خاطفة ، و أنا أستعير هذا التعريف لوصف مشهد ولادة القصيدة لدي .
- أنتِ مبدعة متعددة بين الشعر و المسرح و المقال ، كيف تتعايش هذه الأنواع داخل الأنا الشاعرة لديك ؟
المسرحية هي الفضاء الأقرب و الأجمل للحلول في ذاتي ، فأبحث عني بين زواريبها و أبنيتها و حقولها ، فأجدني بين الهنا و الهناك مرتحلة على رؤية و شعور ، يتقمصني وطن و ألم و شجن و رفض ووله و…و… ولكل هالته الشاعرية المقدسة لتكتبني قصيدة وحورا و موقفا و عبرة ، فتنبثق المسرحية الحميمة الصادقة . و القصيدة ابنة المسرحية الشعرية و لكليهما مقام القرب الأجمل في نفسي بدون ( أيهما).
- أنتِ شاعرة من سلالة شعرية … من هم الذين استرفدتِ تجاربهم الشعرية من غير وسطك الشعري وكان لهم أبعد الأثر في تجربتك الشعرية الحالية ؟
للقدماء أولا ، الأندلس و ابن زيدون عشقي الأول و الدائم ثم من تلاه وصولا لوالدي و نزار قباني انتهاءً بالعديد من رياحين عصرنا .
- مفهوم الشعر يكاد يكون زئبقيا بين الشعراء بالرغم من تخصيصهم على ما يسمى جوهره … فما مفهوم الشعر لديك ؟
الشعر هو خزين الحياة الداغل المتشرب في أوردة النبض و المتكور حول مدفأة الزمن وحيثياته و زمكانه .. هو انبثاقات الشعور من كوة الألم و الغربة و الحزن النصيع . هو ذلك الكائن المتخلق من اللاإرادة و من اللاأين … المتحرر من ضوابط الزمن و سوط المجتمع و قيود الذات وتابوهات البشر البالية .
- من المعلوم أنك درست الأدب الانجليزي .. هل يمكن القول أن تأثيره في تجربتك الشعرية هو نفس تأثيره في الشعراء الرواد : بدر شاكر السياب ، نازك الملائكة ، بلند الجيدري ..؟
من المسلم به أن الاتفتاح على ثقافة الآخر يفتح مجال التجديد و التأثر بشكل أو بآخر ، وبرغم دراستي للأدب الانجليزي ، إلا أن فعل التأثير الذي يسلط صولجانه على ذائقتي هو ذلك العشق المتفرد في هيمنته للشعر و الأدب العربي ، الذي تبرز جماليته بمقارنته بالآخر و لكنني لا أنكر إعجابي الشديد و تأثري بتجارب جيل العمالقة كالسياب و نازك الملائكة و بلند الحيدري وصولا لنزار و من ثم أدونيس و أنسي الحاج و الماغوط كرواد للنثر الحديث .
- بين قصيدة النثر و القصيدة العمودية زمن من المداد و الصراع و الاختلاف … لمن تنتصرين منهما ؟ و ما مسوغك في ذلك ؟
انني أكتب النص النثري ، و إنما أخلص للآخر قلبا وقالبا … لأنني حين أبحث عني أجدني بين تلك القوافي المنتصبة في مفترقات دروبي ، الصادحة بأنغام البحور … الهائمة في مساحات الشعور ، النائمة في ردهات بيت قائم على أعمدة تموسقها رؤى و قافية … أما حين تشاغلني رغبة التحرر فأنني أهرب إلى حضن الحر و النثري فأغرق في حشود التعبير المتحرر من كل إطار .
- في ديوانك موائد الحنين نزوع صوفي جلي ، ما مدى فاعليته في عالم يمور بالماديات ؟
هو سبيل الخلاص من ضغط المادة حين انعتاق الروح من أسوارها المتعبة ، هو سبيل التخلص من شوائب الجسد بالانصهار في أثير الروح .
إلهي
إليك أسوق الرجايا
و اخفض صوتي
بجنح السهاد
أناجيك أنت ،
و أنت الأبدْ
تجوس خلالي
فتطفئ فيّ لظى السالكين
إلهي
أراك بعين يقيني
وهذي أناي
تناجيك عشقا ً
إلهي مددْ
إلهي مددْ
أريدك كشفا
ينير طريقي كما العارفين
ليغسل طيني
و تجلو صفاتك ثقل الخطايا
سموا يطهرني من صفاتي
ونورا يزيل غثاء الجسد
فكلي اشتياقٌ لكلك أنتَ
تبدد شكي
و تجمع لي من ملهمات الشجون
قناديل وجد ٍ
تشيح بوجه الظلام بعيدا
لأبصرني من سديم ضياعي
كما تبتغيني ،
فذاك التجلي
يمزق عني رداء الظنون
فينزو أجاج جحيم البددْ
إلهي
أغيب بدغل وجودي
فناءا
يعيد أحتفاء البداية